الكتابة والهامش
كتبهابوراوي سعيدانة ، في 7 فبراير 2007 الساعة: 23:39 م
بوراوي سعيدانة كاتب وأديب من تونس
…ليس كلّ ما يقال يُكتب وليس كلّ ما يُكتب يُقرأ والأدب الحقّ لم يُكتب بعد.. فهو مازال مخفيّا في أذهاننا تعرقله أسباب الخوف وما أكثرها فيجترّ الكاتب ما كتبه السّالفون ويكتب ما لا يُضمر وما لا يعتقد أليس هذا هو الوهم والهون أو أنّ الشجاعة والجرأة أصبح لهما لون يختلف عن أصله..؟
بوراوي سعيدانة
الكتابة والهامش
حين يخبو الحرف وتخبو معه الكلمة تسيطر لغة الهيمنة ويحدث النشاز بين المكتوب والمقروء..
ما الذي فعلته الكتابة عبر التاريخ المكتوب وتعاقب الحضارات ؟ ألم تتحول الكتابة في الوقت الرّاهن للتاريخ إلى هامش الهوامش؟ بينما يعتقد بعض الكتّاب جزافا بأنّهم أنبياء مرسلون من لدن شيطان رجيم أو آتون من عالم مجهول إلى عالم معلوم ليفتحوا العقول ويعتدوا على حقوقهم وحقوق غيرهم ثم يتمرّدون على الثّوابت ليقرصنوا الحاضر..
وحين تتحوّل الكتابة إلى جرم يجب ارتكابه تلصق على جبهة الكاتب بعض الطّوابع الجبائية لتحدّد فصله وعرقه وفصيلة دمه وتفكيره..
وهكذا تبقى الكلمات مجرّد شعارات ترفع في غير ما نظام لتضيع في الهواء المُعفّن بالقهر والتّعمية, فتُبيح وتستبيح دماء وأنفسا بريئة وأخرى مورّطة في جرائم شتّى فتُقصي أفرادا ومجموعات من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية , وتبقى السّاحة خالية من كلّ كلمة في صلب المعنى.. إنّه الهامش وكتابة الهامش وثقافة التّهميش…
وبما أن المجموعة الاجتماعية هجينا من كتّاب وغير كتّاب من متعلّمين وغير متعلّمين من أسلم منهم ومن كفر ومن خلق لنفسه صراطا ومن استورد منهجا ومن اختلق وثنا يعبده جميعها في خضمّ الصّراع الفكري متجادلة ومتنازعة تارة ومتصالحة ومتسامحة تارة أخرى..
والأزلق والأهلك من " مزالق المهالك" هو ثقافة البُعد الواحد وهي عُملة لا تصرّف إلاّ في مصرف وحيد استهلكته الأيّام وبقي في مزبلة التاريخ إلاّ أنّه للأسف الشديد مازال كثير من المتلاعبين بالعقول يستغلّون هذه العملة المُهترئة..
فشأن الكتابة وشأن من عداها اضمحلال للوجود البشري وقضاء مع سابق الإضمار والتّرصّد للرأي المُخالف الذي نفتقد إليه لعكس مدار عجلة التّاريخ أو للمضي بها قُدما.. أليس التاريخ في عجلة من أمره ؟
وهذا هو محرّك الهامش أن يتخطّى الكاتب هامش ذاته باحثا في المكتوب والمسموع ما يليق بهوُيته المُستهدفة للزوال والضّياع في خضمّ علك عصريّة يلوكها أصحاب الدّعاية والإشهار المجّاني …
ألا ترى معي أنّ المثقفين في واد والقرّاء في واد وكلّ في فلكه سابح يُردّد أحلام اليقظة.. أليس في هذا سكوت عن المسكوت الحقيقي وبلاء يُبتلى به كلّ من امتهن الحرف والجملة وترك وراء ظهره مهام عديدة أوكلت إلى من يعتقد أنّهم دونه معنى وأهميّة.
الكتابة أخذ وعطاء ومسائل من الحياة واختلاط للثقافات والأيديولوجيات إلاّ أنّها لا تسلم من التلوّث الذي تسبّب في توسيع ثُقب الأوزون.. وتحوّلت جلّ النّضالات من السّاحات إلى الفراش.. والكتابة غدت بحثا عن نصّ " آخر صيحة" يكون مليئا بالمشاهد المُقزّزة وزعيقا يصمّ الآذان.. وهي منافسة تقليدية بين السّهل والشاّق فتُفرز عن خليط من التّسلية المُخدّرة فتُرجم الغيب وتُهدّئ خواطر العاطلين من أصحاب الشّهادات وغير الشّهادات..
وأثبتت التّجربة أن أغلبنا يقول ما لا يفعل ويُنظّر أكثر ممّا يُطبّق.. ومع ذلك فالكتابة تأتي في كلّ حين وفي أيّ زمان ومكان ولا تتطلّب تحميلها بالصّور الفوتوغرافية الجميلة ولا لباسا معيّنا , فأنت تكتب سواء كنت مرتديا لزيّ عامل في البلدية أو سليبا وطنيّا مصنوعا من القطن المُزيّف..
وكذلك الأدب سياسة أو لا يكون.. ولا نستمع إلى نصائح شيوخنا الذين يُشيرون علينا بعدم حمل أوزار الأعباء الثّقيلة.. وأكيد أنّ رأيهم فيه كثير من الصحّة لأنّ العاقبة السيّئة والمآل المأساوي لن يشاركك فيهما أحد بل تُواجه مصيرك بمفردك كاتبا كنت أو صاحب أمانة أو خائنا لها..
وعلينا أن نقف دقيقة أو دقائق صمت إجلالا وإكراما على الّذين ساهموا في عرقلتنا وإذلالنا في اليوم أكثر من مر|ة ومع ذلك نُصفّق لهم خشية منهم ومن بطشهم.. وقد نعتقد أنّ الكاتب الحقّ هو القادر على بيع مبادئه بثمن قارورة من الجعة.. والشّريفة الفاضلة المُتمتّعة بالحريّة والعدالة الاجتماعية هي القادرة على بيع جسدها بثمن ( آيس كريم ) ..
وحتّى لا نقع في إسقاطات اللّهو والعبث علينا أن نتمسّك بالنصّ داخل النصّ المكتوب والمقروء وإن خرجنا عنه فلا يجوز أن يكون ذلك بمجرّد قرار فردي بل يستحقّ التأشير عليه من قبل من ..؟ ومتى يُسمح بالخروج عن النصّ أو الدّخول فيه.. فالبحث عن الحقيقة مجرّد وهم يعتقد فيه من يدّعي أنّ الحقيقة إلى جواره وعلى البقيّة من الغنم أن تتّبع الرّاعي وإن كان يرعى بأغنامه في أرض جُرز ..
وهل يعني الإبداع ببساطة خلق بدع وجلب الأسد من أذنيه ؟ بينما الحقيقة ثابتة مع شروق شمس كلّ يوم جديد نُصبحه ونُمسيه , فالإنسان هو الإنسان عبر الأزمان وحقب التّاريخ ولم يكن أصله قردا كما قال العالم الإنكليزي داروين وإلاّ كيف نفسّر عدم تحوّل القردة المعاصرين إلى أنماط أخرى من البشر؟
الشرّ والخير صنوان في صراع دائم والعيش فساد أو صلاح والاختلاف يكمن فيمن تؤول إليه الغلبة..
والمسكوت عنه في الخطاب الثقافي أو غيره ينتج هامش المُثقّف المخذول الّذي لا يتمتّع بربع حقّ المُواطنة وإنّما يتمتّع بأقصى حدود الطّاعة وبأدنى حقوق الرّفض..
ولكلّ أمّة سلاحها وسلاح أمّتنا ماضيها وتاريخها والماضي هو الأنا في الدّاخل والخارج ومن يفقد سلاحه فلا تسأل عن أسباب هزيمته؟
ولا نكونوا متسامحين مع غيرنا أكثر من تسامح قادة المسيحيّين الّذين يباركون لاعنيهم في النصّ ويقتلونهم في الواقع فإنّ الثّقافات بأنواعها لا تحمل في طيّاتها البراءة والشّرف بل تُخفي الإثم والعدوان ولا تُظهر ما تُبطن..
ولماذا يغيب إذن الأدب الحقيقي والتّاريخ الحقيقي لأنّ ليس كلّ ما يُقال يُكتب وليس كلّ ما يُرى موجودا فاغتيال العبارات قانون لا تعترض عليه لائحة حقوق الإنسان ومشاريع الحريّة والدّيمقراطيّات المُزيّفة..
والكلمة بدورها تتحوّل إلى هامش إذا عجزت عن التّعبير عن معناها وغايتها فتنزاح في خضمّ المبنى لاهية مُتسلّية لا تطرق أبوابا ولا يرغب أصحابها في فتحها..
أمّا الّذين يُخيفوننا بالعولمة أنا أقول لهم إنّها علكة العصر ولكلّ عصر علكته يلُوكها بالطّريقة الّتي تروق له.. فإن تعولمنا أو تقزّمنا فالأمر لا يستحقّ أكثر من تبديل جلدة بجلدة فكلّ الجلود جلود.. ولماذا ننهمك في بحث مُتخاذل أو نتبنّى قضايا الآخرين بينما ينهمك الآخرون في طلب لذّاتهم وشهواتهم ولا يحترمون ضحايا قضاياهم ولا يُحيون ذكراهم أحياء كانوا أو أمواتا؟
ومن يغمره العفن من أمّ رأسه إلى أخمص قدميه ما عساه أن يقول سوى أنّه أطهر الخلق وأفضلهم وتصبح حاجته إلى من يمدحه ضروريّة لأنّها تقيّة تحميه حسد الحاسدين وتُغنيه عن استعمال أدوات النّظافة المحليّة أو المستوردة..
قصّة الهامش هي حكاية لا رأس لها ولا ذيل ولا هي أنثى ولا ذكر والمعنى والمقصد لا يهم.. فالجنس المُخنّث له حقّ الوجود والتمتّع بجميع حقوقه المدنية والعسكريّة.. فلماذا الاعتقاد بأن الكاتب أعقل النّاس وأصوبهم وهو أقرب إلى حمار يحمل أثقالا؟
وقد ينتظر احد السّائلين عثرة أحد الُجيبين ليبرز عضلاته لأنّه يسأل سؤالا يعرف جوابه مسبقا مُعتبرا مُجيبيه تلامذة من تلاميذه أو تابع من أتباعه..وحين يكون السّائل عنيدا يقع في مُصيبة سؤاله فيُؤمن بالإلحاد السّاذج المُعادي للأصل بدون أصل فيثبت حرفيّة مفردات التّهميش عبر مشاهد ثقافيّة منقولة تعتنق المادّة دينا والحال أنّ الإنسان زوال في زوال ولن يقدر على أن يكون إلها مهما حاول ذلك؟
وفي هامش الشّهادة وبعيدا عن المُضايقات الفكريّة فإنّ الخوف من حضارة الآخر وفكر الآخر لم قضيّة تستدعي استعمال الأساليب البدائيّة في التّعمية والتّغييب بقدر ما تتطلّب المُواجهة والمُناظرة فلا رأي لمن يأكل خبزه مُمرّغا بالتّراب فيكون كالّلذين تُخيفهم كلمة قد تُسبّب في عزلهم من مناصبهم..
أنا لا أكتب قصصا أو روايات ولا أدّخر في خيالي شيئا من التصنّع والتّزلّف ولست من هواة الاستغراب والإستبعاد بل أُحاول أن أنقل بعض الوشايات والفضائح الّتي يتستّر عليها أصحاب المنافع والأيادي الطّويلة وكأنّ الّذي يفعلونه لا يهمُّنا لا من بعيد ولا من قريب وإنّما هي مجرّد إشاعات كاذبة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























