"مزالق المهالك" أدب الغضب والعنف
كتبهابوراوي سعيدانة ، في 22 أبريل 2007 الساعة: 01:54 ص
أدب الغضب والعنف
بقلم : سيد الوكيل ( روائي وناقد مصري)
ربما لا نجد أي صلة ظاهرية بين المسرحي الفرنسي (أنتونان أرتو) ، مؤسس مسرح القسوة على نحو ما يظهر ـ حتى ـ من أسماء مسرحياته مثل : (إنبجاس الدماء ـ صدر محترق ـ سقوط منزل آشار ) والقاص التونسي ( بوراوى سعيدانة) ، صاحب مجموعة قصص "مزالق المهالك " .
ومع ذلك فثمة صلة وثيقة بينهما على مستوى المرجعية الفكرية التي تنطلق منها كتابات كل منهما ، فثمة شيء مشترك وجوهري بينهما وهو القسوة التي اشتهر بها مسرح ( أرتو ) ، ليجسد من خلالها فكرته عن تطهير الإنسان من البدائي المتوحش الذي يسكنه ، وذلك بإخضاعه لأكبر قدر من الألم والتعذيب النفسي والجسدي ليخرج طاقة الغضب داخلة ، وهى طريقة تذكرنا بأساليب علاج المرضى العقليين في العصور الوسطى ، عندما يكون الضرب والتعذيب وسيلة لإخراج الشياطين التي تسكنهم .
والسخرية التي تصل إلى حد التجريح والإيلام النفسي أحد وسائل( أرتو ) ، عندما يضع شخصياته في مفارقات حادة وقاسية تكشف قبحها وتشوهاتها الداخلية ، ولهذا فهو لا يتعاطف مع شخصياته أبداً ، مهما كانت بسيطة وهشة ، بل كلما كانت كذلك كانت أكثر مدعاة للسخرية منها والقسوة عليها.
إنه نفس الأسلوب الذي يتعامل به( بوراوى سعيدانة) مع شخصيات قصصه ،حين يخضعها لتجارب نفسية شديدة القسوة تصل بهم إلى حد الجنون ، أو كما يقول هو إلى مزالق التهلكة ، وكأنما يسعى لتطهير المجتمع منها ، فإذا كان الناس ينقسمون بين (أشرار وأخيار) ، فإن الخير وحدة لا يكفى ، إذ ينبغي أن يكون مدعماً بالقوة والوعي الحاد ، لهذا فإن الكائنات المسالمة السلبية مثلها مثل الكائنات الشريرة يجب الخلاص منها.
فصابر في قصة ( سارق الشمس ) يتهم بتهمة عجيبة وهزلية ، صابر شخص مسالم هامشي ، عاش حياته يمشى في الظل بجوار الحوائط ، ويحمى صلعته من الشمس ، ولكنه مرة واحدة فعلها ، مدد جسده في الشمس ، لكن الناس لا يحتملون هذا الطموح المتواضع ، فيحكمون عليه بفصل رأسه عن جسده وتركه في العراء تحت الشمس حتى يجف .
أما القسوة التي يتعرض لها القارئ ، فتأتى عندما لا يفهم لماذا يتعرض شخص مسالم كصابر لكل هذا العنف ، إن مصير صابر يأتي بمثابة صفعة على وجه القارئ الذي اعتاد التعاطف مع الكائنات المسالمة ، بوراوى سعيدانه يهز وعى القارئ بعنف ، عندما يشحنه بالغضب على مصائر الطيبين ، ويدعوه للتفكير . . لماذا كائنات هشة ومسالمة تستحق كل هذا العنف ؟.
غير أن عنف بوراوى لا يتوقف عند هذه المفارقات على حدتها ، بل يمارسه من خلال اللغة الخشنة والجارحة التي يصدم بها قارئه ، ليس في ذائقته فقط ، بل في قناعاته ومعتقداته أيضاً ، ربما يسعى عبر هذا إلى خلخلة قناعاتنا بالنظم والسياسات التي تحكمنا بغض النظر عن مرجعياتها السياسية أو الدينية أو الاجتماعية .
لهذا هو ينال من الرموز التي ارتضتها الثقافات الشعبية والرسمية على السواء، ففي قصة ( صاحب المقر ) يقفز على الأماكن والتواريخ والثقافات ليجمع من رموزها حشداً يسخر منه باعتبارهم مجرد صور وأيقونات تعيش بلا معنى على الأوراق النقدية المدنسة، يقول .. ( أخفى يديه في قفازين شفافين تحاشياً لتدنيس يديه الكريمتين بوسخ الدنيا ، وهى الأوراق النقدية الحاملة صور بورقيبة ، وحنبعل ، وابن خلدون ، وأبى القاسم الشابى ) .
إن هذا الجمع في حكم واحد بين شخصيات لا علاقة فيما بينها سوى وجودها ـ بمحض الصدفة ـ على النقود ، يمثل رغبة الكاتب في إطلاق غضبه على مساحة أكبر من الواقع والمتخيل معاً وكأنما هو شخص أمسك بمدفع رشاش وراح يطلق النار في ميدان عام بلا تمييز أو انتقاء .
وثمة أحداث تخلق على نحو ( فانتازى ) لتكون مبرراً هزلياً للعنف ، وهو ما يضطره لخلق شخصياته في صور مفارقة للواقع نفسه ، حتى تتحول إلى مجرد رمز على نمط من أنماط السلوك الإنساني ، ولكنها تظل قادرة على تحريك غضبنا وسخريتنا منها ، ففي قصة ( مسرد الأيام ) يبتكر شخصية ( العم جوعان ) ويصفها بطريقة تذكرنا بالجاحظ في ( التربيع والتدوير ) وهو يسخر من شخصياته ، يقول بوراوى سعيدانة ( بطن العم جوعان تلوح كالبرميل ، يمكنها أن تجمع موائد الأغنياء والفقراء دفعة واحدة ، وهو قصير القامة ، زئبقي في الكلام ، صلاته حاضرة ، وحجاته سبع وزيادة ، وعمراته بلا حساب ، لا يشرب الخمر ويشرب عرق العمال والكتاب والشعراء ) .
كان ( أرتو ) أيضا يصور شخصياته على هذا النحو الهزلي ، ويجعل منها مسخاً مشوهاً يجمع بين متناقضات عدة ، ويبقى ملمح أخير بين ( أرتو ) وسعيدانة وهو ميكانيكية الأداء الإنساني ، فالناس تتحرك كآلات مجردة من أي بعد إنساني ، ففي قصة ( ورشة القص ) ، يتحلق عدد من النقاد حول منضدة لمناقشة قصة قصيرة ، ثم فجأة يخرجون من حقائبهم وجيوبهم مفكات ومناشير ومطارق وأدوات حادة مدببة ويبدأون في تمزيق القصة ويلقون ببعض أجزائها هنا وهناك ، ويسحقون البعض الآخر تماماً ، وهو كالعادة يستخدم لغته الحادة والعارية من أي مشاعرية ليكشف عن طاقة الغضب والعنف التي تسكن البشر حتى وهم يتعاملون مع أكثر الأشياء شاعرية وهو النص الأدبي ( وخشي كبيرهم أن يحدث تصادم بين الصعاليك والأكاديميين ، ففرق بينهم مباعداً بين المقاعد ،ثم أشار صاحب الكلابتين الكبيرتين على كبيرهم بأن يفككوا الجمل إلى كلمات ، والكلمات إلى أحرف ، والأحرف إلى أنصاف أحرف ، ثم وضعها على محك سندان النقد الحديث وطرقها حتى تضمحل ).
وأغلب قصص المجموعة ( ذات مغزى ) ، بمعنى أن ما يظهر منها يبدو كرمز وما خفي كان أعظم ، وهى ذات طابع سياسي تهكمي يصل إلى حد جلد الذات ، فهولا يسخر من الحكام فقط بل من الشعوب أيضاً ، وكثير من قصصه تقوم على فضح السياسات العربية المتناقضة والخانعة ، ففي قصة ( قرار مجلس الأمن الدولي ) يظهر العرب ككائنات مثيرة للغضب أكثر مما تثير الشفقة .
إن أغلب قصصه ذات عناوين واضحة ومباشرة ، وهو ملمح يتأكد في لغته عموماً ، إذ تتناوب المباشرة والفانتازيا والسخرية كل القصص لتجعل منها حالات متعددة من الأداء الخشن والعنيف والمباشر بهدف تحريك وعى وذهن القارئ لا دغدغة مشاعرة ، وهو في هذا يتفق ـ أيضاً ـ مع ( أرتو ) ، غير أن الأخير لم يكن يثق في وعى وذهن المتفرجين ، فهم مثل كل شخصياته المسرحية يستحقون الألم والتعذيب الذي وصل أحياناً إلى حد إطلاق الرصاص الحي عليهم وإصابتهم بحالة من الرعب والهوس الدموي لكي يخرج شياطين الغضب من أعماقهم.
سيد الوكيل : روائي وناقد مصري / صدرت له عدة روايات ومجموعات قصصية منها فوق الحياة قليلا / أيام هند / للروح غناها / مثل واحد آخر كما صدر له كتابان نقديان هما مدارات في النقد والأدب / أفضية الذات له مقال أسبوعي في جريدة الشرق القطرية ( ثقافة وفنون )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























